==كتابة وتحرير المستشار الأستاذ \ أبراهيم عبد الحميد أبراهيم==( مبحث فى التحكيم الدولى )
==تعريف التحكيم وطبيعته القانونية وتطور التنظيم التشريعي للتحكيم في مصر:
التحكيم لغة : من مادة حكم ، وحكم بتشديد الكاف تعني طلب الحكم ممن يتم الإحتكام إليه ويسمي (الحكم بفتح الحاء والكاف أو المحكم بضم الميم وفتح الحاء والكاف مشددة).
ويقصد بالتحكيم في الإصطلاح القانوني : إتفاق أطراف علاقة قانونية معينة عقدية أو غير عقدية علي أن يتم الفصل في المنازعة التي ثارت بينهم بالفعل ، أو التي يحتمل أن تثور عن طريق أشخاص يتم إختيارهم كمحكمين.
{ بسم الله الرحمن الرحيم }
ويتولي الأطراف تحديد أشخاص المحكمين أو علي الأقل ، يضمنون إتفاقهم علي التحكيم بياناً لكيفية إختيار المحكمين ، أو أن يعهدوا لهيئة من الهيئات أو مركز من مراكز التحكيم الدائمة لتتولي تنظيم عملية التحكيم وفقاً للقواعد أو اللوائح الخاصة بهذه الهيئات أو المراكز.
ويتضح من هذا التعريف أن الأطراف قد يتفقون علي (التحكيم قبل حدوث أى خلافات بينهم فيرد إتفاقهم في هذه الحالة في شكل شرط أو بند من بنود العقد أو الإتفاق الذي ينظم علاقتهم الأصلية ، وقد يحررون وثيقة أو إتفاقاً مستقلاً يضمنونه إتفاقهم علي إحالة ما قد يثور بينهم من منازعات بمناسبة العقد الأصلي إلي التحكيم).
والقاسم المشترك بين الصورتين أن الإتفاق علي التحكيم له طابع (التحسب) للمستقبل ، ويسمي مثل هذا الإتفاق في صورتيه بشرط التحكيم.
ويجوز للأطراف الإنتظار فإذا ما شجر نزاع بينهم قاموا بإبرام إتفاق علي إحالته للتحكيم ويسمي هذا الإتفاق بمشارطة أو وثيقة التحكيم.
ويعني إتفاق الأطراف علي الإلتجاء للتحكيم سواء أخذ شكل شرط أو مشارطة تحكيم إتجاه الإرادة المشتركة إلي ترتيب أثرين قانونيين هما :
أولاً : سلب إختصاص قضاء الدولة الذي كان يتحتم طرح النزاع عليه ، إذا لم يوجد إتفاق التحكيم ، فهذا الإتفاق له أثر مانع مقتضاه إلتزام القاضي بعدم نظر النزاع طالما وجد إتفاق تحكيم وتمسك به أحد الأطراف حتى لو نكص الطرف الأخر علي عقبيه محاولاً الإستمرار في تصدى القضاء للفصل في النزاع.
ثانياً : قبول الأطراف طواعية وعلي نحو نهائي لقرار التحكيم الذي يصدره المحكم أو المحكمون فلا يحق للخاسر رفع دعوى مبتدأة أمام القضاء لكي تعيد النظر في النزاع ، فلحكم المحكمين قوة الشئ المقضي به في خصوص ما فصل فيه وتتجه أغلب القوانين إلي منع الطعن في حكم التحكيم أو محاصرة طرق الطعن أو طلب البطلان وذلك عن طريق تحديد حصري للأسباب التي يمكن أن يؤسس عليها طلب البطلان.
ويثير التحكيم جدلاً حول طبيعته القانونية ، فإتجه البعض إلي ترجيح (الطبيعة القضائية) وذلك علي أساس تركيز النظر والإعتماد علي طبيعة المهمة التي يؤديها المحكم فهو يفصل في نزاع شأنه شأن القاضي ويحوز حكمه حجية الأمر المقضي فالمحكم يؤدى وظيفة القاضي ، إذ أنه قاضي خاص يقابل قاضي الدولة وسند قيام المحكم بوظيفة القاضي هو قانون الدولة التي سمحت بالتحكيم كوسيلة لحسم المنازعات يمكن للأفراد الإلتجاء إليها.
ويترتب علي الطبيعة القضائية للتحكيم التسليم بحق الدولة في التدخل لأن القضاء أصلاً منوط بالسلطة القضائية ويأتي التحكيم استثناء يسمح لأشخاص من خارج هذه السلطة بالقيام بوظيفة القاضي فلابد أن تراقب الدولة وتتدخل بقواعد آمرة تضمن سلامة إجراءات التحكيم وسلامة الحكم وتسمح بالطعن فيه أمام القضاء وتنظم القواعد والإجراءات اللازمة لتنفيذ حكم التحكيم.
ويقابل هذا الإتجاه إتجاه أخر يرجح الطبيعة العقدية للتحكيم فليس المهم من وجهة نظر هذا الإتجاه إعطاء الأولوية لمهمة المحكم , وإنما الأولي أن ننظر إلي من أولوه وخولوه هذه المهمة ومن الذي يحدد له الإجراءات التي يتبعها ومن الذي يحدد شخص أو أشخاص المحكمين ويدفع أتعابهم ويحدد لهم القانون الذي يحسمون النزاع وفقا لنصوصه ، إن أطراف الإتفاق هم الذين يتولون ذلك كله وتقف الدولة عند دور الدولة الحارسة تسهر علي منع المساس بالنظام العام ، وهذا هو الإتجاه الراجح ويترتب عليه إطلاق مبدأ سلطان الإرادة وترك الأمر لأطراف النزاع وقضاتهم الذين إختاروهم بمحض إرادتهم وإرتضوا سلفاً الخضوع لما يصدرونه من أحكام ولا يجوز للدولة أن تتدخل إلا لمنع المساس بالنظام العام أو لضمان حسن سير عملية التحكيم وذلك بوضع قواعد مقررة تسد ثغرات إتفاق التحكيم ولا تلجأ لوضع قواعد آمرة إلا في حدود ما يمس الأسس الإجتماعية والإقتصادية والسياسية لكيان الدولة.
وقد تواتر قضاء المحكمة الدستورية العليا علي تأكيد الطبيعة العقدية وإرتكاز التحكيم كوسيلة تسوية المنازعات علي الإختيار الحر لإرادة الأطراف , فقد قضت بأنه لا يجوز أن يكون التحكيم إجبارياً يذعن له أطرافه أو بعضهم إنفاذاً لقاعدة قانونية آمرة لا يجوز الإتفاق علي خلافها ، ذلك أن القاعدة التي تأسس عليها مشروعية التحكيم كأسلوب لفض المنازعات بغير طريق التقاضي العادي هي قاعدة إتفاقية تبني إرادة الأطراف علي أصولها.
(حكم المحكمة الدستورية العليا في الدعوي رقم 55/33 ق.د الصادر بجلسة 13/1/2002م).
كما قضت بعدم دستورية النصوص القانونية المختلفة التي تكرس نظام التحكيم الجبري سواء في مجال المنازعات الجمركية أو الضريبية أو المنازعات الناشئة عن تطبيق نصوص التحكيم الجبري في قانون سوق رأس المال.
وقد عالج المشرع المصري التحكيم في بدء الأمر في الباب الثالث من قانون المرافعات (المواد 501 - 513) ؛ وطبيعي أن ينصرف إهتمام المشرع أساساً للتحكيم الوطني الذي يجرى في مصر ، ولم يول المشرع إهتماماً للتحكيم التجاري الدولي رغم إنضمام مصر لإتفاقية نيويورك الخاصة بالإعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية ، وهي في معظم الحالات أحكام تصدر في منازعات متعلقة بعقود التجارة الدولية ، ولذا بدأت المشاكل القانونية في الظهور مع إنتهاج سياسة الإنفتاح الإقتصادى وتزايد حجم المعاملات التجارية الدولية ، سواء بواسطة الدولة أو أشخاص القانون العام أو الخاص ، مما أدى إلي تزايد حالات إبرام العقود الدولية المتضمنة لشرط التحكيم ؛ وقد صدرت قوانين الإستثمار لتشجيع وجذب المستثمرين الأجانب ونصت علي إمكان الإتفاق علي التحكيم كوسيلة لفض المنازعات التي قد تثور بين أطراف العقد ، كما إنضمت مصر إلي إتفاقية واشنطن المنظمة لتسوية المنازعات المتعلقة بالإستثمارات والتي قد تثور بين الدول ورعايا الدول الأخرى.
وقد ترتب علي هذه المستجدات تزايد حالات الإلتجاء للتحكيم في منازعات بين أطراف مصرية - سواء كانت أشخاص القانون العام أو الخاص - وأطراف أجنبية.
وصدرت أحكام التحكيم وعند طلب تنفيذها بدأ التصادم مع نصوص التحكيم الوطنية الواردة في قانون المرافعات ، إذ دأبت الأطراف المصرية علي التمسك بهذه النصوص لاسيما الآمر منها ، للتوصل إلي بطلان حكم التحكيم ومنع تنفيذه ، وإكتسبت المادة 502 شهرة عالمية لتكرار التمسك بها علي أساس أنها تستلزم لصحة إتفاق التحكيم ضرورة تسمية أشخاص المحكمين وهو شرط لا تستلزمه نصوص إتفاقية نيويورك السارية في مصر ، وإختلفت إجتهادات الفقه كما شاع التردد في موقف القضاء ، مما كشف عن قصور التشريع الوطني وعدم مواكبته لما يجرى وما جد في فقه وقضاء التحكيم خاصة التحكيم التجاري الدولي علي الصعيد الدولي.
وكان متوقعاً تدخل المشرع لوضع قانون خاص بالتحكيم التجاري الدولي ، لتظل نصوص المرافعات مقصورة علي التحكيم الوطني أو التحكيم الذي تؤدى قواعد تنازع القوانين إلي تطبيق القانون المصري عليها ، ولكن المشرع المصري تدخل بقانون جديد عالج فيه التحكيم في المواد المدنية والتجارية وبشرط أن يجرى التحكيم في مصر مع إمكان سريانه علي التحكيم التجاري الدولي الذي يجرى في الخارج إذا إتفق الأطراف علي إخضاعه للقانون المصري ، وهذا يعني أننا أساساً أمام قانون يواجه التحكيم الداخلي رغم أن الحاجة كانت أساساً تقتضي تنظيم التحكيم التجاري الدولي والذي أثار العديد من المشاكل القانونية لإصطدامه بنصوص قانون المرافعات المنظمة للتحكيم.
وقد صدر قانون التحكيم الجديد رقم 27 لسنة 1994م وتم نشره في الجريدة الرسمية في 21 إبريل 1994م علي أن يبدأ نفاذه بعد شهر من اليوم التالي لتاريخ نشره ، وبذلك أصبح هذا القانون نافذاً منذ 22 مايو 1994م ، ونصت المادة الثالثة من مواد الإصدار علي إلغاء نصوص المواد (501 - 513) من قانون المرافعات ، وإلغاء أى نص مخالف لأحكام هذا القانون.
ولا شك لدينا في عدم سداد النهج الذي إنتهجه المشرع المصري ، ونتوقع أن يؤدى تطبيقه إلي مشاكل مشابهة لما كان قائماً في ظل نصوص التحكيم الملغاة التي كانت واردة في قانون المرافعات وذلك فيما يتعلق بالتحكيم التجاري الدولي وتنفيذ ما يصدر من أحكام تحكيم في منازعات التجارة الدولية ، إذ من المتوقع التمسك بالنصوص الآمرة في القانون المصري للتوصل إلي بطلان هذه الأحكام.
لذلك نرى سداد النهج الذي سار عليه المشرع الفرنسي ، إذ أفرد الكتاب الرابع من نصوص قانون المرافعات المدنية الجديد لأحكام التحكيم وخصص الأبواب الأربعة من هذا الكتاب للتحكيم الداخلي (المواد من 1442 حتى 1491) ، ثم تم تشكيل لجنة لوضع القواعد الخاصة بالتحكيم الدولي والتي إحتلت الباب الخامس مع تخصيص الباب السادس لتنفيذ الأحكام الأجنبية والأحكام الصادرة في موضوعات خاصة بالتحكيم الدولي وطرق الطعن فيها (المواد من 1492 حتى 1507) ، وإستبعد العديد من القواعد المنظمة للتحكيم الداخلي ومنع تطبيقها علي التحكيم الأجنبي والدولي وذلك بنصوص صريحة هي المادة 1495 والمادة 1507.
صورة: { بسم الله الرحمن الرحيم } تعريف التحكيم وطبيعته القانونية وتطور التنظيم التشريعي للتحكيم في مصر: التحكيم لغة : من مادة حكم ، وحكم بتشديد الكاف تعني طلب الحكم ممن يتم الإحتكام إليه ويسمي (الحكم بفتح الحاء والكاف أو المحكم بضم الميم وفتح الحاء والكاف مشددة). ويقصد بالتحكيم في الإصطلاح القانوني : إتفاق أطراف علاقة قانونية معينة عقدية أو غير عقدية علي أن يتم الفصل في المنازعة التي ثارت بينهم بالفعل ، أو التي يحتمل أن تثور عن طريق أشخاص يتم إختيارهم كمحكمين. ويتولي الأطراف تحديد أشخاص المحكمين أو علي الأقل ، يضمنون إتفاقهم علي التحكيم بياناً لكيفية إختيار المحكمين ، أو أن يعهدوا لهيئة من الهيئات أو مركز من مراكز التحكيم الدائمة لتتولي تنظيم عملية التحكيم وفقاً للقواعد أو اللوائح الخاصة بهذه الهيئات أو المراكز. ويتضح من هذا التعريف أن الأطراف قد يتفقون علي (التحكيم قبل حدوث أى خلافات بينهم فيرد إتفاقهم في هذه الحالة في شكل شرط أو بند من بنود العقد أو الإتفاق الذي ينظم علاقتهم الأصلية ، وقد يحررون وثيقة أو إتفاقاً مستقلاً يضمنونه إتفاقهم علي إحالة ما قد يثور بينهم من منازعات بمناسبة العقد الأصلي إلي التحكيم). والقاسم المشترك بين الصورتين أن الإتفاق علي التحكيم له طابع (التحسب) للمستقبل ، ويسمي مثل هذا الإتفاق في صورتيه بشرط التحكيم. ويجوز للأطراف الإنتظار فإذا ما شجر نزاع بينهم قاموا بإبرام إتفاق علي إحالته للتحكيم ويسمي هذا الإتفاق بمشارطة أو وثيقة التحكيم. ويعني إتفاق الأطراف علي الإلتجاء للتحكيم سواء أخذ شكل شرط أو مشارطة تحكيم إتجاه الإرادة المشتركة إلي ترتيب أثرين قانونيين هما : أولاً : سلب إختصاص قضاء الدولة الذي كان يتحتم طرح النزاع عليه ، إذا لم يوجد إتفاق التحكيم ، فهذا الإتفاق له أثر مانع مقتضاه إلتزام القاضي بعدم نظر النزاع طالما وجد إتفاق تحكيم وتمسك به أحد الأطراف حتى لو نكص الطرف الأخر علي عقبيه محاولاً الإستمرار في تصدى القضاء للفصل في النزاع. ثانياً : قبول الأطراف طواعية وعلي نحو نهائي لقرار التحكيم الذي يصدره المحكم أو المحكمون فلا يحق للخاسر رفع دعوى مبتدأة أمام القضاء لكي تعيد النظر في النزاع ، فلحكم المحكمين قوة الشئ المقضي به في خصوص ما فصل فيه وتتجه أغلب القوانين إلي منع الطعن في حكم التحكيم أو محاصرة طرق الطعن أو طلب البطلان وذلك عن طريق تحديد حصري للأسباب التي يمكن أن يؤسس عليها طلب البطلان. ويثير التحكيم جدلاً حول طبيعته القانونية ، فإتجه البعض إلي ترجيح (الطبيعة القضائية) وذلك علي أساس تركيز النظر والإعتماد علي طبيعة المهمة التي يؤديها المحكم فهو يفصل في نزاع شأنه شأن القاضي ويحوز حكمه حجية الأمر المقضي فالمحكم يؤدى وظيفة القاضي ، إذ أنه قاضي خاص يقابل قاضي الدولة وسند قيام المحكم بوظيفة القاضي هو قانون الدولة التي سمحت بالتحكيم كوسيلة لحسم المنازعات يمكن للأفراد الإلتجاء إليها. ويترتب علي الطبيعة القضائية للتحكيم التسليم بحق الدولة في التدخل لأن القضاء أصلاً منوط بالسلطة القضائية ويأتي التحكيم استثناء يسمح لأشخاص من خارج هذه السلطة بالقيام بوظيفة القاضي فلابد أن تراقب الدولة وتتدخل بقواعد آمرة تضمن سلامة إجراءات التحكيم وسلامة الحكم وتسمح بالطعن فيه أمام القضاء وتنظم القواعد والإجراءات اللازمة لتنفيذ حكم التحكيم. ويقابل هذا الإتجاه إتجاه أخر يرجح الطبيعة العقدية للتحكيم فليس المهم من وجهة نظر هذا الإتجاه إعطاء الأولوية لمهمة المحكم , وإنما الأولي أن ننظر إلي من أولوه وخولوه هذه المهمة ومن الذي يحدد له الإجراءات التي يتبعها ومن الذي يحدد شخص أو أشخاص المحكمين ويدفع أتعابهم ويحدد لهم القانون الذي يحسمون النزاع وفقا لنصوصه ، إن أطراف الإتفاق هم الذين يتولون ذلك كله وتقف الدولة عند دور الدولة الحارسة تسهر علي منع المساس بالنظام العام ، وهذا هو الإتجاه الراجح ويترتب عليه إطلاق مبدأ سلطان الإرادة وترك الأمر لأطراف النزاع وقضاتهم الذين إختاروهم بمحض إرادتهم وإرتضوا سلفاً الخضوع لما يصدرونه من أحكام ولا يجوز للدولة أن تتدخل إلا لمنع المساس بالنظام العام أو لضمان حسن سير عملية التحكيم وذلك بوضع قواعد مقررة تسد ثغرات إتفاق التحكيم ولا تلجأ لوضع قواعد آمرة إلا في حدود ما يمس الأسس الإجتماعية والإقتصادية والسياسية لكيان الدولة. وقد تواتر قضاء المحكمة الدستورية العليا علي تأكيد الطبيعة العقدية وإرتكاز التحكيم كوسيلة تسوية المنازعات علي الإختيار الحر لإرادة الأطراف , فقد قضت بأنه لا يجوز أن يكون التحكيم إجبارياً يذعن له أطرافه أو بعضهم إنفاذاً لقاعدة قانونية آمرة لا يجوز الإتفاق علي خلافها ، ذلك أن القاعدة التي تأسس عليها مشروعية التحكيم كأسلوب لفض المنازعات بغير طريق التقاضي العادي هي قاعدة إتفاقية تبني إرادة الأطراف علي أصولها. (حكم المحكمة الدستورية العليا في الدعوي رقم 55/33 ق.د الصادر بجلسة 13/1/2002م). كما قضت بعدم دستورية النصوص القانونية المختلفة التي تكرس نظام التحكيم الجبري سواء في مجال المنازعات الجمركية أو الضريبية أو المنازعات الناشئة عن تطبيق نصوص التحكيم الجبري في قانون سوق رأس المال. وقد عالج المشرع المصري التحكيم في بدء الأمر في الباب الثالث من قانون المرافعات (المواد 501 - 513) ؛ وطبيعي أن ينصرف إهتمام المشرع أساساً للتحكيم الوطني الذي يجرى في مصر ، ولم يول المشرع إهتماماً للتحكيم التجاري الدولي رغم إنضمام مصر لإتفاقية نيويورك الخاصة بالإعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية ، وهي في معظم الحالات أحكام تصدر في منازعات متعلقة بعقود التجارة الدولية ، ولذا بدأت المشاكل القانونية في الظهور مع إنتهاج سياسة الإنفتاح الإقتصادى وتزايد حجم المعاملات التجارية الدولية ، سواء بواسطة الدولة أو أشخاص القانون العام أو الخاص ، مما أدى إلي تزايد حالات إبرام العقود الدولية المتضمنة لشرط التحكيم ؛ وقد صدرت قوانين الإستثمار لتشجيع وجذب المستثمرين الأجانب ونصت علي إمكان الإتفاق علي التحكيم كوسيلة لفض المنازعات التي قد تثور بين أطراف العقد ، كما إنضمت مصر إلي إتفاقية واشنطن المنظمة لتسوية المنازعات المتعلقة بالإستثمارات والتي قد تثور بين الدول ورعايا الدول الأخرى. وقد ترتب علي هذه المستجدات تزايد حالات الإلتجاء للتحكيم في منازعات بين أطراف مصرية - سواء كانت أشخاص القانون العام أو الخاص - وأطراف أجنبية. وصدرت أحكام التحكيم وعند طلب تنفيذها بدأ التصادم مع نصوص التحكيم الوطنية الواردة في قانون المرافعات ، إذ دأبت الأطراف المصرية علي التمسك بهذه النصوص لاسيما الآمر منها ، للتوصل إلي بطلان حكم التحكيم ومنع تنفيذه ، وإكتسبت المادة 502 شهرة عالمية لتكرار التمسك بها علي أساس أنها تستلزم لصحة إتفاق التحكيم ضرورة تسمية أشخاص المحكمين وهو شرط لا تستلزمه نصوص إتفاقية نيويورك السارية في مصر ، وإختلفت إجتهادات الفقه كما شاع التردد في موقف القضاء ، مما كشف عن قصور التشريع الوطني وعدم مواكبته لما يجرى وما جد في فقه وقضاء التحكيم خاصة التحكيم التجاري الدولي علي الصعيد الدولي. وكان متوقعاً تدخل المشرع لوضع قانون خاص بالتحكيم التجاري الدولي ، لتظل نصوص المرافعات مقصورة علي التحكيم الوطني أو التحكيم الذي تؤدى قواعد تنازع القوانين إلي تطبيق القانون المصري عليها ، ولكن المشرع المصري تدخل بقانون جديد عالج فيه التحكيم في المواد المدنية والتجارية وبشرط أن يجرى التحكيم في مصر مع إمكان سريانه علي التحكيم التجاري الدولي الذي يجرى في الخارج إذا إتفق الأطراف علي إخضاعه للقانون المصري ، وهذا يعني أننا أساساً أمام قانون يواجه التحكيم الداخلي رغم أن الحاجة كانت أساساً تقتضي تنظيم التحكيم التجاري الدولي والذي أثار العديد من المشاكل القانونية لإصطدامه بنصوص قانون المرافعات المنظمة للتحكيم. وقد صدر قانون التحكيم الجديد رقم 27 لسنة 1994م وتم نشره في الجريدة الرسمية في 21 إبريل 1994م علي أن يبدأ نفاذه بعد شهر من اليوم التالي لتاريخ نشره ، وبذلك أصبح هذا القانون نافذاً منذ 22 مايو 1994م ، ونصت المادة الثالثة من مواد الإصدار علي إلغاء نصوص المواد (501 - 513) من قانون المرافعات ، وإلغاء أى نص مخالف لأحكام هذا القانون. ولا شك لدينا في عدم سداد النهج الذي إنتهجه المشرع المصري ، ونتوقع أن يؤدى تطبيقه إلي مشاكل مشابهة لما كان قائماً في ظل نصوص التحكيم الملغاة التي كانت واردة في قانون المرافعات وذلك فيما يتعلق بالتحكيم التجاري الدولي وتنفيذ ما يصدر من أحكام تحكيم في منازعات التجارة الدولية ، إذ من المتوقع التمسك بالنصوص الآمرة في القانون المصري للتوصل إلي بطلان هذه الأحكام. لذلك نرى سداد النهج الذي سار عليه المشرع الفرنسي ، إذ أفرد الكتاب الرابع من نصوص قانون المرافعات المدنية الجديد لأحكام التحكيم وخصص الأبواب الأربعة من هذا الكتاب للتحكيم الداخلي (المواد من 1442 حتى 1491) ، ثم تم تشكيل لجنة لوضع القواعد الخاصة بالتحكيم الدولي والتي إحتلت الباب الخامس مع تخصيص الباب السادس لتنفيذ الأحكام الأجنبية والأحكام الصادرة في موضوعات خاصة بالتحكيم الدولي وطرق الطعن فيها (المواد من 1492 حتى 1507) ، وإستبعد العديد من القواعد المنظمة للتحكيم الداخلي ومنع تطبيقها علي التحكيم الأجنبي والدولي وذلك بنصوص صريحة هي المادة 1495 والمادة 1507. (( واللة الموفق والمستعان وعلية خير الامور ))

==تعريف التحكيم وطبيعته القانونية وتطور التنظيم التشريعي للتحكيم في مصر:
التحكيم لغة : من مادة حكم ، وحكم بتشديد الكاف تعني طلب الحكم ممن يتم الإحتكام إليه ويسمي (الحكم بفتح الحاء والكاف أو المحكم بضم الميم وفتح الحاء والكاف مشددة).
ويقصد بالتحكيم في الإصطلاح القانوني : إتفاق أطراف علاقة قانونية معينة عقدية أو غير عقدية علي أن يتم الفصل في المنازعة التي ثارت بينهم بالفعل ، أو التي يحتمل أن تثور عن طريق أشخاص يتم إختيارهم كمحكمين.
{ بسم الله الرحمن الرحيم }
ويتولي الأطراف تحديد أشخاص المحكمين أو علي الأقل ، يضمنون إتفاقهم علي التحكيم بياناً لكيفية إختيار المحكمين ، أو أن يعهدوا لهيئة من الهيئات أو مركز من مراكز التحكيم الدائمة لتتولي تنظيم عملية التحكيم وفقاً للقواعد أو اللوائح الخاصة بهذه الهيئات أو المراكز.
ويتضح من هذا التعريف أن الأطراف قد يتفقون علي (التحكيم قبل حدوث أى خلافات بينهم فيرد إتفاقهم في هذه الحالة في شكل شرط أو بند من بنود العقد أو الإتفاق الذي ينظم علاقتهم الأصلية ، وقد يحررون وثيقة أو إتفاقاً مستقلاً يضمنونه إتفاقهم علي إحالة ما قد يثور بينهم من منازعات بمناسبة العقد الأصلي إلي التحكيم).
والقاسم المشترك بين الصورتين أن الإتفاق علي التحكيم له طابع (التحسب) للمستقبل ، ويسمي مثل هذا الإتفاق في صورتيه بشرط التحكيم.
ويجوز للأطراف الإنتظار فإذا ما شجر نزاع بينهم قاموا بإبرام إتفاق علي إحالته للتحكيم ويسمي هذا الإتفاق بمشارطة أو وثيقة التحكيم.
ويعني إتفاق الأطراف علي الإلتجاء للتحكيم سواء أخذ شكل شرط أو مشارطة تحكيم إتجاه الإرادة المشتركة إلي ترتيب أثرين قانونيين هما :
أولاً : سلب إختصاص قضاء الدولة الذي كان يتحتم طرح النزاع عليه ، إذا لم يوجد إتفاق التحكيم ، فهذا الإتفاق له أثر مانع مقتضاه إلتزام القاضي بعدم نظر النزاع طالما وجد إتفاق تحكيم وتمسك به أحد الأطراف حتى لو نكص الطرف الأخر علي عقبيه محاولاً الإستمرار في تصدى القضاء للفصل في النزاع.
ثانياً : قبول الأطراف طواعية وعلي نحو نهائي لقرار التحكيم الذي يصدره المحكم أو المحكمون فلا يحق للخاسر رفع دعوى مبتدأة أمام القضاء لكي تعيد النظر في النزاع ، فلحكم المحكمين قوة الشئ المقضي به في خصوص ما فصل فيه وتتجه أغلب القوانين إلي منع الطعن في حكم التحكيم أو محاصرة طرق الطعن أو طلب البطلان وذلك عن طريق تحديد حصري للأسباب التي يمكن أن يؤسس عليها طلب البطلان.
ويثير التحكيم جدلاً حول طبيعته القانونية ، فإتجه البعض إلي ترجيح (الطبيعة القضائية) وذلك علي أساس تركيز النظر والإعتماد علي طبيعة المهمة التي يؤديها المحكم فهو يفصل في نزاع شأنه شأن القاضي ويحوز حكمه حجية الأمر المقضي فالمحكم يؤدى وظيفة القاضي ، إذ أنه قاضي خاص يقابل قاضي الدولة وسند قيام المحكم بوظيفة القاضي هو قانون الدولة التي سمحت بالتحكيم كوسيلة لحسم المنازعات يمكن للأفراد الإلتجاء إليها.
ويترتب علي الطبيعة القضائية للتحكيم التسليم بحق الدولة في التدخل لأن القضاء أصلاً منوط بالسلطة القضائية ويأتي التحكيم استثناء يسمح لأشخاص من خارج هذه السلطة بالقيام بوظيفة القاضي فلابد أن تراقب الدولة وتتدخل بقواعد آمرة تضمن سلامة إجراءات التحكيم وسلامة الحكم وتسمح بالطعن فيه أمام القضاء وتنظم القواعد والإجراءات اللازمة لتنفيذ حكم التحكيم.
ويقابل هذا الإتجاه إتجاه أخر يرجح الطبيعة العقدية للتحكيم فليس المهم من وجهة نظر هذا الإتجاه إعطاء الأولوية لمهمة المحكم , وإنما الأولي أن ننظر إلي من أولوه وخولوه هذه المهمة ومن الذي يحدد له الإجراءات التي يتبعها ومن الذي يحدد شخص أو أشخاص المحكمين ويدفع أتعابهم ويحدد لهم القانون الذي يحسمون النزاع وفقا لنصوصه ، إن أطراف الإتفاق هم الذين يتولون ذلك كله وتقف الدولة عند دور الدولة الحارسة تسهر علي منع المساس بالنظام العام ، وهذا هو الإتجاه الراجح ويترتب عليه إطلاق مبدأ سلطان الإرادة وترك الأمر لأطراف النزاع وقضاتهم الذين إختاروهم بمحض إرادتهم وإرتضوا سلفاً الخضوع لما يصدرونه من أحكام ولا يجوز للدولة أن تتدخل إلا لمنع المساس بالنظام العام أو لضمان حسن سير عملية التحكيم وذلك بوضع قواعد مقررة تسد ثغرات إتفاق التحكيم ولا تلجأ لوضع قواعد آمرة إلا في حدود ما يمس الأسس الإجتماعية والإقتصادية والسياسية لكيان الدولة.
وقد تواتر قضاء المحكمة الدستورية العليا علي تأكيد الطبيعة العقدية وإرتكاز التحكيم كوسيلة تسوية المنازعات علي الإختيار الحر لإرادة الأطراف , فقد قضت بأنه لا يجوز أن يكون التحكيم إجبارياً يذعن له أطرافه أو بعضهم إنفاذاً لقاعدة قانونية آمرة لا يجوز الإتفاق علي خلافها ، ذلك أن القاعدة التي تأسس عليها مشروعية التحكيم كأسلوب لفض المنازعات بغير طريق التقاضي العادي هي قاعدة إتفاقية تبني إرادة الأطراف علي أصولها.
(حكم المحكمة الدستورية العليا في الدعوي رقم 55/33 ق.د الصادر بجلسة 13/1/2002م).
كما قضت بعدم دستورية النصوص القانونية المختلفة التي تكرس نظام التحكيم الجبري سواء في مجال المنازعات الجمركية أو الضريبية أو المنازعات الناشئة عن تطبيق نصوص التحكيم الجبري في قانون سوق رأس المال.
وقد عالج المشرع المصري التحكيم في بدء الأمر في الباب الثالث من قانون المرافعات (المواد 501 - 513) ؛ وطبيعي أن ينصرف إهتمام المشرع أساساً للتحكيم الوطني الذي يجرى في مصر ، ولم يول المشرع إهتماماً للتحكيم التجاري الدولي رغم إنضمام مصر لإتفاقية نيويورك الخاصة بالإعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية ، وهي في معظم الحالات أحكام تصدر في منازعات متعلقة بعقود التجارة الدولية ، ولذا بدأت المشاكل القانونية في الظهور مع إنتهاج سياسة الإنفتاح الإقتصادى وتزايد حجم المعاملات التجارية الدولية ، سواء بواسطة الدولة أو أشخاص القانون العام أو الخاص ، مما أدى إلي تزايد حالات إبرام العقود الدولية المتضمنة لشرط التحكيم ؛ وقد صدرت قوانين الإستثمار لتشجيع وجذب المستثمرين الأجانب ونصت علي إمكان الإتفاق علي التحكيم كوسيلة لفض المنازعات التي قد تثور بين أطراف العقد ، كما إنضمت مصر إلي إتفاقية واشنطن المنظمة لتسوية المنازعات المتعلقة بالإستثمارات والتي قد تثور بين الدول ورعايا الدول الأخرى.
وقد ترتب علي هذه المستجدات تزايد حالات الإلتجاء للتحكيم في منازعات بين أطراف مصرية - سواء كانت أشخاص القانون العام أو الخاص - وأطراف أجنبية.
وصدرت أحكام التحكيم وعند طلب تنفيذها بدأ التصادم مع نصوص التحكيم الوطنية الواردة في قانون المرافعات ، إذ دأبت الأطراف المصرية علي التمسك بهذه النصوص لاسيما الآمر منها ، للتوصل إلي بطلان حكم التحكيم ومنع تنفيذه ، وإكتسبت المادة 502 شهرة عالمية لتكرار التمسك بها علي أساس أنها تستلزم لصحة إتفاق التحكيم ضرورة تسمية أشخاص المحكمين وهو شرط لا تستلزمه نصوص إتفاقية نيويورك السارية في مصر ، وإختلفت إجتهادات الفقه كما شاع التردد في موقف القضاء ، مما كشف عن قصور التشريع الوطني وعدم مواكبته لما يجرى وما جد في فقه وقضاء التحكيم خاصة التحكيم التجاري الدولي علي الصعيد الدولي.
وكان متوقعاً تدخل المشرع لوضع قانون خاص بالتحكيم التجاري الدولي ، لتظل نصوص المرافعات مقصورة علي التحكيم الوطني أو التحكيم الذي تؤدى قواعد تنازع القوانين إلي تطبيق القانون المصري عليها ، ولكن المشرع المصري تدخل بقانون جديد عالج فيه التحكيم في المواد المدنية والتجارية وبشرط أن يجرى التحكيم في مصر مع إمكان سريانه علي التحكيم التجاري الدولي الذي يجرى في الخارج إذا إتفق الأطراف علي إخضاعه للقانون المصري ، وهذا يعني أننا أساساً أمام قانون يواجه التحكيم الداخلي رغم أن الحاجة كانت أساساً تقتضي تنظيم التحكيم التجاري الدولي والذي أثار العديد من المشاكل القانونية لإصطدامه بنصوص قانون المرافعات المنظمة للتحكيم.
وقد صدر قانون التحكيم الجديد رقم 27 لسنة 1994م وتم نشره في الجريدة الرسمية في 21 إبريل 1994م علي أن يبدأ نفاذه بعد شهر من اليوم التالي لتاريخ نشره ، وبذلك أصبح هذا القانون نافذاً منذ 22 مايو 1994م ، ونصت المادة الثالثة من مواد الإصدار علي إلغاء نصوص المواد (501 - 513) من قانون المرافعات ، وإلغاء أى نص مخالف لأحكام هذا القانون.
ولا شك لدينا في عدم سداد النهج الذي إنتهجه المشرع المصري ، ونتوقع أن يؤدى تطبيقه إلي مشاكل مشابهة لما كان قائماً في ظل نصوص التحكيم الملغاة التي كانت واردة في قانون المرافعات وذلك فيما يتعلق بالتحكيم التجاري الدولي وتنفيذ ما يصدر من أحكام تحكيم في منازعات التجارة الدولية ، إذ من المتوقع التمسك بالنصوص الآمرة في القانون المصري للتوصل إلي بطلان هذه الأحكام.
لذلك نرى سداد النهج الذي سار عليه المشرع الفرنسي ، إذ أفرد الكتاب الرابع من نصوص قانون المرافعات المدنية الجديد لأحكام التحكيم وخصص الأبواب الأربعة من هذا الكتاب للتحكيم الداخلي (المواد من 1442 حتى 1491) ، ثم تم تشكيل لجنة لوضع القواعد الخاصة بالتحكيم الدولي والتي إحتلت الباب الخامس مع تخصيص الباب السادس لتنفيذ الأحكام الأجنبية والأحكام الصادرة في موضوعات خاصة بالتحكيم الدولي وطرق الطعن فيها (المواد من 1492 حتى 1507) ، وإستبعد العديد من القواعد المنظمة للتحكيم الداخلي ومنع تطبيقها علي التحكيم الأجنبي والدولي وذلك بنصوص صريحة هي المادة 1495 والمادة 1507.
صورة: { بسم الله الرحمن الرحيم } تعريف التحكيم وطبيعته القانونية وتطور التنظيم التشريعي للتحكيم في مصر: التحكيم لغة : من مادة حكم ، وحكم بتشديد الكاف تعني طلب الحكم ممن يتم الإحتكام إليه ويسمي (الحكم بفتح الحاء والكاف أو المحكم بضم الميم وفتح الحاء والكاف مشددة). ويقصد بالتحكيم في الإصطلاح القانوني : إتفاق أطراف علاقة قانونية معينة عقدية أو غير عقدية علي أن يتم الفصل في المنازعة التي ثارت بينهم بالفعل ، أو التي يحتمل أن تثور عن طريق أشخاص يتم إختيارهم كمحكمين. ويتولي الأطراف تحديد أشخاص المحكمين أو علي الأقل ، يضمنون إتفاقهم علي التحكيم بياناً لكيفية إختيار المحكمين ، أو أن يعهدوا لهيئة من الهيئات أو مركز من مراكز التحكيم الدائمة لتتولي تنظيم عملية التحكيم وفقاً للقواعد أو اللوائح الخاصة بهذه الهيئات أو المراكز. ويتضح من هذا التعريف أن الأطراف قد يتفقون علي (التحكيم قبل حدوث أى خلافات بينهم فيرد إتفاقهم في هذه الحالة في شكل شرط أو بند من بنود العقد أو الإتفاق الذي ينظم علاقتهم الأصلية ، وقد يحررون وثيقة أو إتفاقاً مستقلاً يضمنونه إتفاقهم علي إحالة ما قد يثور بينهم من منازعات بمناسبة العقد الأصلي إلي التحكيم). والقاسم المشترك بين الصورتين أن الإتفاق علي التحكيم له طابع (التحسب) للمستقبل ، ويسمي مثل هذا الإتفاق في صورتيه بشرط التحكيم. ويجوز للأطراف الإنتظار فإذا ما شجر نزاع بينهم قاموا بإبرام إتفاق علي إحالته للتحكيم ويسمي هذا الإتفاق بمشارطة أو وثيقة التحكيم. ويعني إتفاق الأطراف علي الإلتجاء للتحكيم سواء أخذ شكل شرط أو مشارطة تحكيم إتجاه الإرادة المشتركة إلي ترتيب أثرين قانونيين هما : أولاً : سلب إختصاص قضاء الدولة الذي كان يتحتم طرح النزاع عليه ، إذا لم يوجد إتفاق التحكيم ، فهذا الإتفاق له أثر مانع مقتضاه إلتزام القاضي بعدم نظر النزاع طالما وجد إتفاق تحكيم وتمسك به أحد الأطراف حتى لو نكص الطرف الأخر علي عقبيه محاولاً الإستمرار في تصدى القضاء للفصل في النزاع. ثانياً : قبول الأطراف طواعية وعلي نحو نهائي لقرار التحكيم الذي يصدره المحكم أو المحكمون فلا يحق للخاسر رفع دعوى مبتدأة أمام القضاء لكي تعيد النظر في النزاع ، فلحكم المحكمين قوة الشئ المقضي به في خصوص ما فصل فيه وتتجه أغلب القوانين إلي منع الطعن في حكم التحكيم أو محاصرة طرق الطعن أو طلب البطلان وذلك عن طريق تحديد حصري للأسباب التي يمكن أن يؤسس عليها طلب البطلان. ويثير التحكيم جدلاً حول طبيعته القانونية ، فإتجه البعض إلي ترجيح (الطبيعة القضائية) وذلك علي أساس تركيز النظر والإعتماد علي طبيعة المهمة التي يؤديها المحكم فهو يفصل في نزاع شأنه شأن القاضي ويحوز حكمه حجية الأمر المقضي فالمحكم يؤدى وظيفة القاضي ، إذ أنه قاضي خاص يقابل قاضي الدولة وسند قيام المحكم بوظيفة القاضي هو قانون الدولة التي سمحت بالتحكيم كوسيلة لحسم المنازعات يمكن للأفراد الإلتجاء إليها. ويترتب علي الطبيعة القضائية للتحكيم التسليم بحق الدولة في التدخل لأن القضاء أصلاً منوط بالسلطة القضائية ويأتي التحكيم استثناء يسمح لأشخاص من خارج هذه السلطة بالقيام بوظيفة القاضي فلابد أن تراقب الدولة وتتدخل بقواعد آمرة تضمن سلامة إجراءات التحكيم وسلامة الحكم وتسمح بالطعن فيه أمام القضاء وتنظم القواعد والإجراءات اللازمة لتنفيذ حكم التحكيم. ويقابل هذا الإتجاه إتجاه أخر يرجح الطبيعة العقدية للتحكيم فليس المهم من وجهة نظر هذا الإتجاه إعطاء الأولوية لمهمة المحكم , وإنما الأولي أن ننظر إلي من أولوه وخولوه هذه المهمة ومن الذي يحدد له الإجراءات التي يتبعها ومن الذي يحدد شخص أو أشخاص المحكمين ويدفع أتعابهم ويحدد لهم القانون الذي يحسمون النزاع وفقا لنصوصه ، إن أطراف الإتفاق هم الذين يتولون ذلك كله وتقف الدولة عند دور الدولة الحارسة تسهر علي منع المساس بالنظام العام ، وهذا هو الإتجاه الراجح ويترتب عليه إطلاق مبدأ سلطان الإرادة وترك الأمر لأطراف النزاع وقضاتهم الذين إختاروهم بمحض إرادتهم وإرتضوا سلفاً الخضوع لما يصدرونه من أحكام ولا يجوز للدولة أن تتدخل إلا لمنع المساس بالنظام العام أو لضمان حسن سير عملية التحكيم وذلك بوضع قواعد مقررة تسد ثغرات إتفاق التحكيم ولا تلجأ لوضع قواعد آمرة إلا في حدود ما يمس الأسس الإجتماعية والإقتصادية والسياسية لكيان الدولة. وقد تواتر قضاء المحكمة الدستورية العليا علي تأكيد الطبيعة العقدية وإرتكاز التحكيم كوسيلة تسوية المنازعات علي الإختيار الحر لإرادة الأطراف , فقد قضت بأنه لا يجوز أن يكون التحكيم إجبارياً يذعن له أطرافه أو بعضهم إنفاذاً لقاعدة قانونية آمرة لا يجوز الإتفاق علي خلافها ، ذلك أن القاعدة التي تأسس عليها مشروعية التحكيم كأسلوب لفض المنازعات بغير طريق التقاضي العادي هي قاعدة إتفاقية تبني إرادة الأطراف علي أصولها. (حكم المحكمة الدستورية العليا في الدعوي رقم 55/33 ق.د الصادر بجلسة 13/1/2002م). كما قضت بعدم دستورية النصوص القانونية المختلفة التي تكرس نظام التحكيم الجبري سواء في مجال المنازعات الجمركية أو الضريبية أو المنازعات الناشئة عن تطبيق نصوص التحكيم الجبري في قانون سوق رأس المال. وقد عالج المشرع المصري التحكيم في بدء الأمر في الباب الثالث من قانون المرافعات (المواد 501 - 513) ؛ وطبيعي أن ينصرف إهتمام المشرع أساساً للتحكيم الوطني الذي يجرى في مصر ، ولم يول المشرع إهتماماً للتحكيم التجاري الدولي رغم إنضمام مصر لإتفاقية نيويورك الخاصة بالإعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية ، وهي في معظم الحالات أحكام تصدر في منازعات متعلقة بعقود التجارة الدولية ، ولذا بدأت المشاكل القانونية في الظهور مع إنتهاج سياسة الإنفتاح الإقتصادى وتزايد حجم المعاملات التجارية الدولية ، سواء بواسطة الدولة أو أشخاص القانون العام أو الخاص ، مما أدى إلي تزايد حالات إبرام العقود الدولية المتضمنة لشرط التحكيم ؛ وقد صدرت قوانين الإستثمار لتشجيع وجذب المستثمرين الأجانب ونصت علي إمكان الإتفاق علي التحكيم كوسيلة لفض المنازعات التي قد تثور بين أطراف العقد ، كما إنضمت مصر إلي إتفاقية واشنطن المنظمة لتسوية المنازعات المتعلقة بالإستثمارات والتي قد تثور بين الدول ورعايا الدول الأخرى. وقد ترتب علي هذه المستجدات تزايد حالات الإلتجاء للتحكيم في منازعات بين أطراف مصرية - سواء كانت أشخاص القانون العام أو الخاص - وأطراف أجنبية. وصدرت أحكام التحكيم وعند طلب تنفيذها بدأ التصادم مع نصوص التحكيم الوطنية الواردة في قانون المرافعات ، إذ دأبت الأطراف المصرية علي التمسك بهذه النصوص لاسيما الآمر منها ، للتوصل إلي بطلان حكم التحكيم ومنع تنفيذه ، وإكتسبت المادة 502 شهرة عالمية لتكرار التمسك بها علي أساس أنها تستلزم لصحة إتفاق التحكيم ضرورة تسمية أشخاص المحكمين وهو شرط لا تستلزمه نصوص إتفاقية نيويورك السارية في مصر ، وإختلفت إجتهادات الفقه كما شاع التردد في موقف القضاء ، مما كشف عن قصور التشريع الوطني وعدم مواكبته لما يجرى وما جد في فقه وقضاء التحكيم خاصة التحكيم التجاري الدولي علي الصعيد الدولي. وكان متوقعاً تدخل المشرع لوضع قانون خاص بالتحكيم التجاري الدولي ، لتظل نصوص المرافعات مقصورة علي التحكيم الوطني أو التحكيم الذي تؤدى قواعد تنازع القوانين إلي تطبيق القانون المصري عليها ، ولكن المشرع المصري تدخل بقانون جديد عالج فيه التحكيم في المواد المدنية والتجارية وبشرط أن يجرى التحكيم في مصر مع إمكان سريانه علي التحكيم التجاري الدولي الذي يجرى في الخارج إذا إتفق الأطراف علي إخضاعه للقانون المصري ، وهذا يعني أننا أساساً أمام قانون يواجه التحكيم الداخلي رغم أن الحاجة كانت أساساً تقتضي تنظيم التحكيم التجاري الدولي والذي أثار العديد من المشاكل القانونية لإصطدامه بنصوص قانون المرافعات المنظمة للتحكيم. وقد صدر قانون التحكيم الجديد رقم 27 لسنة 1994م وتم نشره في الجريدة الرسمية في 21 إبريل 1994م علي أن يبدأ نفاذه بعد شهر من اليوم التالي لتاريخ نشره ، وبذلك أصبح هذا القانون نافذاً منذ 22 مايو 1994م ، ونصت المادة الثالثة من مواد الإصدار علي إلغاء نصوص المواد (501 - 513) من قانون المرافعات ، وإلغاء أى نص مخالف لأحكام هذا القانون. ولا شك لدينا في عدم سداد النهج الذي إنتهجه المشرع المصري ، ونتوقع أن يؤدى تطبيقه إلي مشاكل مشابهة لما كان قائماً في ظل نصوص التحكيم الملغاة التي كانت واردة في قانون المرافعات وذلك فيما يتعلق بالتحكيم التجاري الدولي وتنفيذ ما يصدر من أحكام تحكيم في منازعات التجارة الدولية ، إذ من المتوقع التمسك بالنصوص الآمرة في القانون المصري للتوصل إلي بطلان هذه الأحكام. لذلك نرى سداد النهج الذي سار عليه المشرع الفرنسي ، إذ أفرد الكتاب الرابع من نصوص قانون المرافعات المدنية الجديد لأحكام التحكيم وخصص الأبواب الأربعة من هذا الكتاب للتحكيم الداخلي (المواد من 1442 حتى 1491) ، ثم تم تشكيل لجنة لوضع القواعد الخاصة بالتحكيم الدولي والتي إحتلت الباب الخامس مع تخصيص الباب السادس لتنفيذ الأحكام الأجنبية والأحكام الصادرة في موضوعات خاصة بالتحكيم الدولي وطرق الطعن فيها (المواد من 1492 حتى 1507) ، وإستبعد العديد من القواعد المنظمة للتحكيم الداخلي ومنع تطبيقها علي التحكيم الأجنبي والدولي وذلك بنصوص صريحة هي المادة 1495 والمادة 1507. (( واللة الموفق والمستعان وعلية خير الامور ))



0 التعليقات:
إرسال تعليق